محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

243

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

والبراهمة ، وجميعِ الأجناس من أهل الملَلِ والنِّحَلِ والمذاهب والفِرقِ مطبقين من أوَّلِ عُمْرِ الدنيا إلى آخره في ( 1 ) أقطار الأرض وجزائر العالم على حُسْنِ الخبر والاستخبار ، وتطلب الإِعلام ، وتعلّم العلوم من الآحاد فالمريضُ يسأل الطبيبَ عما يشفيه ، ويعتمِد على ما يأمره به ، وأهلُ الحروب يبعثون العيونَ ، ويعملونَ على ما يقولون ، ومن خاف على صاحبه بعث إليه النذير ، ومن احتاج إلى حاجةٍ من صاحبه وهو غائب أرسل إليه الرسول وكتب إليه الكتاب ، وكذلك سائرُ التصرفات من جميع أعمال الدنيا والآخرة مبنية على الظَنَ ، وحُسْنِ العمل عليه ، فالتاجر يركب البحارَ ، ويتعرض للأخطار على ظن الربح والسلامة ، والزَّرَّاعُ يتحمل الأعمالَ الشاقة ويكدُّ بدنه في إثارة الأرضِ ، ويُخاطر بما يطرح فيها من البذرِ على ظن التمام ، والبقاء إلى يوم الحصاد ، والملوك يجمعون الجنودَ ، ويُنفقون الأموالَ في جمعها على رجاء الفتوح بمجرد الظن من غير قطع ، وعمَّالُ الآخرة يتحمَّلون مشاق العبادة والمجاهدة على ظن القبول والسلامة في مستقبل العمر من الوقوع في المعاصي المُحْبِطةِ لتلك الأعمال ، وطَلَبَةُ العلم يشرعون في غَيْبِ الكتب ودرسها على ظنِّ الفائدة وبلوغ الأمل ، وكذلك ما لا يُحصى من جميع أجناس أفعال العقلاء الدالة على إطبقاهم على حسن العمل بالظن ، ولا شَكَّ أن خبرَ المتأوِّلين يفيد الظنَّ عند من أجازه وعند من منعه ، فالقول بأنه قبيح في العقل إما تعسُّفٌ شديد ، وإما نزوحٌ عن التحقيق إلى مكان بعيد . واعلم أن العالِم من يرى الواضح واضحاً ، والمشكل مشكلاً ، وليس بمن يتكلَّفُ التشكيكَ في الواضحات وإيضاح المشكلات ، فبان

--> ( 1 ) في ( ب ) : في جميع أقطار .